الرئيسية | ثقافة وفن | الفقيه المختار السوسي هذه الشهادة في حقّ المهدي بن بركة أرى فيك وزيراً للخارجية المغربية

الفقيه المختار السوسي هذه الشهادة في حقّ المهدي بن بركة أرى فيك وزيراً للخارجية المغربية

بواسطة المشاهدات: 411 - التعليقات: 0
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الفقيه المختار السوسي هذه الشهادة في حقّ المهدي بن بركة أرى فيك وزيراً للخارجية المغربية

 

لمْ يكنْ في حاجة إلى تاريخ وفاة ولا إلى قبرٍ ليزوره الرّفاق والزّوارُ، ولا إلى جنازةٍ يمشي خلفها الماشونَ من الوطنِ كما الأعْداء. المهدي بن بركة، الرَّجل المسكونُ بحبّ الوطن، الطّامحُ إلى بناء دولة الحق والقانون، كانَ أستاذاً للرياضيات ودرّس الملك الرّاحل الحسن الثاني في المدرسة المولوية، فاختلفا معاً في إيجادِ حلّ لمعادلاتِ السّياسة والإصلاح الاقتصادي وشكل النّظام الأنسب في المغرب.من الاصْطدامِ مع الملك الرّاحل الحسن الثّاني إلى التّوافق مع رفاقه في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية على ضرورة مواجهة النّظام بُغية إصْلاحه وتقويمهِ، ثمّ بعد ذلكَ إلى مرحلة النّفي القسري خارجَ الوطن، التي ستكون محطة فاصلة في مسار "شخصية في منتهى الحيوية والذّكاء، انطلقت من جُذورها الشعبية البسيطة، وارْتمت بكل عنفوانٍ في مسار قدرها، بسرعة، وتصميم، وبجرأة وانْدفاع جعلها تذهب من ميلادها إلى لحظة الأبدية المطلقة"، كما كتبَ الأديب المغربي محمّد الأشعري، ستنقلكم جريدة هسبريس إلى عوالم "بن بركة" كما رآها وعاش تفاصيلها الكاتب الصّحافي عبد اللطيف جبرو.سنحاولُ في هذا الجزء تتبّع النشاط الذي قام به المهدي على امتداد سنة، وهي سنة كانت حافلة بالأحداث وكان من الممكن أن تكون سنة الدخول الحقيقي في عهد الديمقراطية ودولة الحق والقانون بالمغرب، لكن خصوم الديمقراطية عمِلوا في 1962 و1963 كل ما في وسعهم لفرض نظامٍ بوليسي بالمغرب.في كتاب المختار السوسي "معتقل الصحراء" أن الفقيه، قال لرفيقه المهدي بن بركة بسجن اغبالو نكردوس، حيث كانت مجموعة من الوطنيين مبعدة سنة 1953: "إنّني أرى فيك للوزارة الخارجية ملامح، فأنت أقدر النّاس على أن تُلاقي كلّ واحد بما تريد أن تلاقيهِ به، وتلك من مزايا الوزارات الخارجية".ويتابع الفقيه المختار السوسي هذه الشهادة في حقّ المهدي بن بركة: "أنا أكبر هذا الشاب وأرى له مستقبلا، وكم دعوت الله له ألا ينقصه شيء، وإلى الآن لا أيأس من فضل ربي عليه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء".هذا ما قاله الوزير المستشار في مجلس التّاج سابقا في حق الشاب المهدي بن بركة، فكيف أصبح الحال بعد عشر سنوات لما أصبح المهدي يربط علاقات دولية واسعة النطاق مع حركات التحرير في إفريقيا وآسيا والوطن العربي، ومع مختلف القوى التقدمية في العالم؟ هذا السّؤال طرحهُ الكاتب الصّحافي عبد اللطيف جبرو في سياق رصدهِ لعودة المهدي السّياسية مع انطلاق المؤتمر الثاني لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشّعبية.

 

 

كانت الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الوطني للاتحاد الوطني للقوات الشعبية صباح الجمعة 25 ماي 1962 بقاعة المعرض الدولي بالدار البيضاء مناسبة للتعرف على مكانة الاتحاد الدولية بفضل الرجل الذي هو "أقدر الناس على أن يلاقي كل واحد بما يريد أن يلاقيه به"، والقصدُ هنا المهدي بن بركة.خلال الجلسة الافتتاحية للمؤتمر، قدّم المحجوب بن الصديق، رئيس الجلسة، قائمة الوفود، ومن بينها؛ محمد حربي، رئيس وفد جبهة التحرير الوطني –الجزائر- وفد الحزب الحر الدستوري –تونس- وفد الاتحاد العربي الاشتراكي –مصر- وفد حزب البعث العربي –سوريا- وفد شعبي من لبنان- وفد الاتحاد العام للعمال الجزائري- وفد الاتحاد العام التونسي- وفد الحزب الاشتراكي الإيطالي- وفد الرابطة الاشتراكية اليوغوسلافيةوأخبر رئيس الجلسة الافتتاحية بأن وفوداً أخرى ينتظر وصولها إلى مقر المؤتمر قبل نهاية جلسة ما بعد الزوال، ويتعلق الأمر بوفد حزب العمال البريطاني، حزب الاستقلال الغيني، الحزب الاشتراكي الموحد لفرنسا، وفد الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين، وفد حزب المؤتمر لجنوب إفريقيا، وفد لجنة المنظمات الإفريقية، ووفد الحزب الوطني الكيني.كان هناك في الأوساط الرسمية بالمغرب أناسٌ لا يخفون تضايقهم من كون المهدي بن بركة يتوفّر على رصيد بهذا الحجم من العلاقات الدولية، وكونه يوظف ذلك في جعل حزب القوات الشعبية يحصل على إشعاع كبير في الداخل والخارج. ويرجعُ جبرو في سياق رصده للتداخل بين النقابي والحزبي إلى صيف سنة 1965، إذ ستقدّمُ لعبد الرحمن اليوسفي ملاحظة في الموضوع فرّد: "على كل حال فكل علاقات الاتحاديين على الصعيد الدولي يجب أن ينظر إليها كذلك من باب الفائدة التي تعود في النهاية إلى المغرب".وبالعودة إلى صبيحة المؤتمر الوطني الثّاني، وبعد العاشرة ببضع دقائق من صباح الجمعة 25 ماي 1962، كان المهدي بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد يخترقان صفوف المؤتمرين، ومعهما محمد البصري، والكل يتجه إلى منصة رئاسة المؤتمر. كانت بعض المواضيع مازالت تتطلب من دون شك تبادل الرأي ما بين الزعيمين الوطنيين والفقيه البصري ينصت إليهما، فهل كانت لنقاش آخر ساعة علاقة بمشاكل "الثنائية"، أي هذه الصفة التي كانت ميزة المؤتمر الوطني للقوات الشعبية؟".في وقتٍ سابق، سيصدر عمر بن جلون في غشت 1972 كتيباً في 32 صفحة، وهو نشرة حزبية داخلية لشرح قرارات "30 يوليوز التاريخية" التي ستجعل حدا لعلاقات القوات الشعبية بالجهاز الإداري للاتحاد المغربي للشغل.

 

يقول بن جلون، باعتباره أول مسؤول في الاتحاد طرح علانية المشاكل المتولدة عن وجود قادة للاتحاد المغربي للشغل في الكتابة العامة للاتحاد الوطني للقوات الشعبية، إن المؤتمر كان بالنسبة للجهاز النقابي مجرد عملية سياسية للظهور بالقوة قصد المفاوضة مع الحكم.ويخبرنا عمر بن جلون في هذه النشرة بأنّ أعضاء الكتابة العامة رفضوا الاتصال بالحكم وتركوا للمحجوب بن الصديق، صاحب الاقتراح، أن يتولى ذلك بنفسه، وأن أحمد رضا كديرة، المدير العام للديوان الملكي ووزير الداخلية والفلاحة، استقبل الأمين العام للاتحاد المغربي للشغل، ولكن الاتصال كان عبثاً من الناحية السياسية.المسؤولون في الاتحاد المغربي للشغل اعترضوا على أن يستمع المؤتمر الوطني الثاني إلى التقرير الذي أعده لهذه المناسبة المهدي بن بركة، الذي ركز في أطروحته على موضوع الارتباط الجدلي بين النضال الفعلي الملموس وبين التقوية المستمرة لأداة النضال. إن إلحاح المهدي على هذا الارتباط ما هو إلا طرح لمشاكل الجهاز النقابي الذي يكتفي بترديد شعارات كستائر للجمود.جلس المهدي بن بركة إذن ضمن أعضاء هيئة الرئاسة حول شيخ الإسلام الفقيه محمد بلعربي العلوي. كان على يمين المهدي كل من عبد الرحمن اليوسفي والتهامي عمار، وعن يساره كل من المحجوب بن الصديق فشيخ الإسلام ثم الرئيس عبد الله إبراهيم وعبد الرحيم بوعبيد، محمد البصري، المعطي بوعبيد، محمد منصور، ومحمد عبد الرزاق، وخلف المنصة جلس الضيوف الأشقاء والأصدقاء.كان الجهاز النقابي أحكم الاستعدادات الخاصة بتسيير أشغال المؤتمر الثاني للاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وعلى امتداد جلسات يوم الجمعة والسبت ظل الخطباء يتوالون على الميكروفون في جو من الحماس، ولكن حينما صعد المهدي بن بركة إلى المنصة بعد ظهر يوم السبت، اهتزت القاعة، وكان المهدي أكثر من غيره قدرة على إثارة مشاعر الحاضرين، سواء كانوا مؤتمرين أو مجرد أناس استقدمهم إلى المؤتمر الجهاز النقابي.ويقول جبرو في هذا الصّدد: "لم نكن فقط أمام المهدي بن بركة المعروف بالقدرة على التحليل والتنظيم ووضع الخطط السياسية والعملية لكفاح الجماهير، بل شاهد المؤتمرون رجلاً فصيح اللسان، ومعلما كبيرا يعرف كيف يشرح الدّروس؛ لذلك كان تجاوب القاعة مع المهدي أكثر ممن سبقوه من خطباء المؤتمر الثاني"."حصل هذا ليس فقط لأنّ الجماهير الاتحادية كانت مشتاقة إلى الاستماع إلى صوت المهدي ومشاهدته واقفاً في المنصة يقدم "التقرير التنظيمي"، بل لأن الحاضرين في قاعة المعرض اكتشفوا بعد ظهر اليوم الثاني للمؤتمر أنهم أمام رجل سياسي من الحجم الكبير، أمام رجل عاد إلى المغرب يحملُ معه شحنات جديدة لتغذية الحياة السّياسية وإعطائها ما يكفي من الحيوية والنّشاط"، ينقل جبرو.وفور تناوله الكلمة، قال المهدي: "الاتحاد الوطني للقوات الشّعبية..المنظمة التي قلنا عنها منذ تأسيسها إنها ليست جبهة حزبية، ولا مجموعة أحزاب في جبهة واحدة كتلك التي تصطنع اصطناعاً بغية استخدامها كوسيلة للتضليل والمغالطة...إنّ الاتحاد أيها الإخوان ليس من طينة هذه التشكيلات السياسية المصلحية أو المصطنعة، ونظراً لانبثاقه من الجماهير الشّعبية فليس غريباً أن يثير منذ أول يوم عددا من المخاوف في نفوس أولئك الذين ترعبهم أهداف الجماهير".ويضيفُ المهدي مخاطباً الجماهير: "لذلك أيها الإخوان، نظراً لذلك الفزع الشّديد الذي أصاب أولئك الذين في قلوبهم مرض من جراء تأسيس الاتحاد، لذلك أيها الإخوان تعرضت منظمتنا منذ اليوم الأول من تأسيسها، وفي وقت كان إخوان لنا يحتلون مناصب وزارية، لأنواع مختلفة من التضييق والقمع التي كانت تهدف كلها إلى إضعاف منظمتنا، فالقضاء عليها وعلى قادتها المناضلين".ولكن، رغم ذلك كله، فإن منظمتنا الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بقيت، وستبقى دائماً، منظمة حية قوية لا تزيدها الأحداث والمناورات والمؤامرات إلا صموداً وثباتاً وقوة، ولا تزيدها المحن إلا خبرة واستعدادًا لقيادة الجماهير وتعبئتها وتحقيق التحرر والتقدم الكاملين.وشدّد المهدي على أنّ جميع تلك العراقيل التي استهدف بها الاتحاد والمؤامرات العديدة التي دبرت ضده فشلت طبعا، ليجد نفسه أمام معجزة هي معجزة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. "إنها معجزة حقا، سرها أننا نحن ورثة التقاليد الثورية المغربية عبر التاريخ وحاملو رسالتها بأمانة إلى الأجيال المقبلة"."إن أهدافنا والمهمات الملقاة على عاتقنا تبين بجلاء أننا لسنا حزبا سياسيا بالمعنى الذي ينطلق على الأحزاب الأخرى، ولكننا بحق خميرة المغرب الحديث، المغرب التقدمي المزدهر الذي سيشيد غدا".

مجموع المشاهدات: 411 |  مشاركة في:

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات
  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط
مجموع المشاهدات: 411 |  مشاركة في:

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0